فخر الدين الرازي
87
المطالب العالية من العلم الإلهي
بتلك السكنات ، فشاهد تلك الحركات المخلوطة ، بتلك السكنات : حركة بطيئة . إذا ثبت هذا ، فنقول : إذا كانت هذه الحركة فعلا اختياريا ، وجب القطع بأن الإنسان باختياره يتحرك في بعض الأحياز ، وباختياره يسكن في بعضها . لكن تخصيص بعض الأحياز بالحركة ، والبعض بالسكون ، تخصيصا بالقصد ، لا يمكن إلا بعد الشعور والعلم . لكنا نعلم بالضرورة : أن الإنسان إذا تحرك فإنه لم يخطر بباله أنه يتحرك في بعض الأحياز ، ويسكن في بعضها . وكيف يقال : إنه باختياره فعل في بعض الأحياز حركة ، وفي بعضها سكونا ؟ . والمذهب الثاني : مذهب الفلاسفة : وهو أن الحركة البطيئة : حركة من أول المسافة إلى آخرها ، ولم يختلط بها شيء من السكونات . والبطء : كيفية قائمة بالحركة . وعلى [ هذا « 1 » ] المذهب ، فالإشكال لازم [ من « 2 » ] وجه آخر . وذلك أن مراتب البطء والسرعة في الحركات كثيرة متفاوتة . فإنه لا بطء ، إلا ويوجد ما هو أبطأ منه ، أو ما هو أسرع منه . فوقوع هذه المرتبة المعينة من البطء والسرعة ، دون سائر المراتب ، لا بد وأن يكون بالقصد . لأن القصد إلى إيقاع هذه المرتبة دون سائر المراتب : مشروط بالعلم بامتياز « 3 » هذه المرتبة عن سائر المراتب . ومعلوم : أن النملة إذا تحركت ، فإنه لم يخطر ببالها امتياز تلك المرتبة من السرعة والبطء ، عن المرتبة التي تزداد عليها وتنتقص عنها ، فقدر تلك المرتبة من السرعة والبطء ، عن المرتبة التي تزداد عليها وتنتقص منها قدر قليل لا يحس الإنسان به . فإن الذي لا يقدر الإنسان على الإحساس به ، كيف تقدر النملة والدودة على الإحساس به ؟ وأيضا : فعلى هذا المذهب لا بد وأن يكون البطء عرضا قائما بتلك الحركة . ففاعل تلك الحركة البطيئة فاعل لنوعين من الفعل .
--> ( 1 ) من ( ل ) . ( 2 ) من ( م ، ل ) . ( 3 ) بالامتياز ( م ) .